السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
متابعينا الكرام ستتوقف الحلقات لمدة قد تطول قليلًا
نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
دعواتكم ()
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
متابعينا الكرام ستتوقف الحلقات لمدة قد تطول قليلًا
نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
دعواتكم ()
سورة الكهف، بصوت القارئ: مشاري العفاسي
http://server8.mp3quran.net/afs/018.mp3
{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)} سورة الكهف
الفتية الذين آمنوا بربهم وهجروا القرية الظالمة، آواهم الله وما خيبهم، وحماهم في كهف بعيد يحرسه كلب لهم، ناموا طويلًا، فقلّبهم خشية أن يلحظ أحد مكوثهم الطويل، ومن شديد لطفه جعل الشمس تُشرق بأشعتها عليهم حتى لا تتعفن أبدانهم، ثم ماذا؟ ربط على قلوبهم حين أفاقوا بعد أكثر من 300 سنة وهم بذات الهيئة ليقروا بإيمانهم بالله العظيم، دون وجل أو شك، وحينما يصفهم الله بالفتية المؤمنة وأنه زادهم هدى، سنعلم كيف أن من يصدق الله سيؤته من مفاتح الخير كله.
لا تنسوا كهف غد ()
سورة يوسف، بصوت القارئ: شيخ أبو بكر الشاطري
http://server11.mp3quran.net/shatri/012.mp3
{لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)} سورة يوسف
رؤيا غريبة، وإخوة يمكرون، وقلب أب يتفطر على فلذة كبده، ومرور يوسف –عليه السلام- بكل تلك الابتلاءات! ألقوْه في البئر طفلًا وحيدًا خائفًا وافتروا على أبيهم بدم كذب على قميصه؛ بأن ذئبًا أكله، فتبيضّ عينا الشيخ الكبير من البكاء والحزن عليه، لكنه يصبر ويصبّر نفسه بـ: “إنّما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون”، فيرعاه الله في بئره بمرور تلك القافلة والتقاطهم له، ثم ماذا؟ لقد بيعَ بثمن بخس زهيد في السوق كما الرقيق، لتبدأ المحنة الأكبر في بيت عزيز مصر.
نشأ شابًّا وسيمًا فضعف قلب امرأة العزيز، وهو غلامها ليس إلا! يشتدّ عليه الابتلاء فتغريه بالزنا –والعياذ بالله-، تحكم إغلاق الأبواب فيأبى، يستعصم بالله وينجيه، لكن كيف إن رأى العزيز عند الباب فتُسرع تلك لتبرئة نفسها! لم يفقده كل ذلك إيمانه بالله، ومن شدة حبه له وبعد حديث نساء المدينة عما حدث، يطلب من الله أن يؤويه في السجن فهو أحب إلى قلبه من الوقوع في الحرام!
وفي السجن؟ لم يغفل عن الدعوة إلى الله، فعمل بحبّ ونصح السجينين الذيْن طلبا تفسير رؤيا كل منهما، وبيّن لهم دين الله الحق بعيدًا عن رجس الجاهلية، ثم أوصى الناجي منهما أن يذكره عند العزيز إذا خرج من السجن، فنسي لتزداد ظلمة سجنه وطول أيامه فيه، حتى إذا ما رأى الملك رؤيا أفزعته تذكروا يوسف فخرج لتفسيرها له، فصدقت النبوءة. ثم، وبكل رأفة ورحمة أُنزلت عليه، عرض يوسف على الملك أن يوكله إدارة خزائن الدولة، فيعزّ من بعد فقر، ويعلو شأنه بعد أن كان غلامًا مملوكًا لا يقدر على أمره من شيء.
تدور الأيام، فيأتي إخوة يوسف من فلسطين لطلب التجارة، فأيّ نُبل ذلك الذي جعله يُخبئ معرفته لهم؟ وأي حنان ذلك الذي جعله يحتال ليأتوه بأخيه الأصغر ليراه بعد كل هذه الغربة؟ وأي رأفة إلهية أعادت نظر الأب بمجرد شمّه لقميص ابنه الغائب منذ أعوام؟ ثم أي تعويض وأنس حلّ بقلب يوسف إذ رأى عائلته تخرّ ساجدة له بأمر من الله –تعالى- وهو عزيزٌ مكرّم بمصر؟
* الحلقة القادمة ستكون الخميس -بإذن الله-؛ لتعويض حلقة الأسبوع الماضي، وسنكمل كل خميس بدلًا من الاثنين.
** إن كان لديكم نقد أو رغبة في المشاركة بكتابة الحلقات، يسعدنا استقبال رسائلكم الإلكترونية على: p-89-3li@live.com
سورة إبراهيم، بصوت القارئ: هاني الرفاعي
http://server8.mp3quran.net/hani/014.mp3
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء (38)} سورة إبراهيم
عاشت هاجر -عليها السلام- مع سيدتها سارة وزوجها إبراهيم في مصر أيامًا قليلة، ثم ارتحلت معهما إلى فلسطين، حيث قرر إبراهيم -عليه السلام- العودة إليها مرة ثانية. وهناك في فلسطين كانت هاجر -عليها السلام- نعم الجارية المخلصة، وكذلك كان إبراهيم وزوجته سارة -عليهما السلام- نعم السيد والسيّدة فقد أكرماها بجميل خصالهما وحسن أخلاقهما، وقد دعاها نبي الله إبراهيم -عليه السلام- إلى الله فآمنت به وصدقت رسالته وشهدت بالوحدانية.
شاء الله تعالى أن يُرزق سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بغلام من هاجر -عليها السلام-، وهنا نزل أمر الله تعالى على نبيّه الكريم بأن يذهب بهاجر ورضيعها إلى مكة المكرمة، فأخذ نبينا هاجرَ ووليدها وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة حينئذ بشر وليس بها ماء ولا كلأ، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثم أفل إبراهيم -عليه السلام- منطلقًا فلحقته هاجر فقالت له: “يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء! (وقالت ذلك مرارًا)، فجعل لا يلتفت إليها فقالت له: “آالله الذي أمرك بهذا؟” فقال إبراهيم -عليه السلام-: “نعم” فأردفت بإيمان راسخ ويقين من عرفت ربها وأحسنت الظنّ به: “إذن لا يُضيّعنا” ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يرونه، استقبل القبلة ودعا بهذه الكلمات: ” رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.”
فجعلت هاجر -عليها السلام- ترضع ابنها وتشرب من ذاك السقاء وما هو إلا قليل من الزمن حتى نفد منها الماء وجفت عروق وليدها فتلوّى من العطش والألم وتمرغ في الأرض، حتى هربت إلى الجبل كراهية أن تراه، فصعدت الصفا ثم استقبلت الوادي فسعت سعي الخائف الباحث ثم أتت المروة فقامت عليه فنظرت فلم تلحظ وجود أحد حتى كررت ذلك سبع مرات، ولك أن تتخيل في ذلك الوقت كم من دمعة ذرفتها! وكم من عثرة عثرتها وقلب ممزّق على أنين صغيرها!
ولما أشرفت في آخر سعيها على المروة سمعت، فتسمّعت فسمعت أيضا، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، يحث بعقبه أو قيل بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تغرف من الماء في سقائها، فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: “لا تخافوا الضّيعة، فإنّ ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه فإنّ الله لا يُضيع أهله!”
وهكذا كان توكُّل هاجر عليها السلام وصدق إيمانها وثقتها بربّها ورحمته حين قالت وأسلمت بــ”إذن لا يُضيّعنا”، مثالًا حيّا على حسن التوكل على الله وسببًا في بقاء زمزم وبركته حتى يومنا هذا.
سورة القصص، بصوت القارئ: ياسر الدوسري
http://server9.mp3quran.net/yasser/028.mp3
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)} سورة القصص
ذات ليلة، رأى فرعون مصر في منامه أن نارًا عظيمة تخرج من بيت المقدس وتزحف إلى مصر، فإذا وصلت أحرقت بيوت الفراعنة والقبط دون آل إسرائيل، فلما قصّ رؤياه التي أفزعته –وهو من ادّعى الربوبية- على الكهنة والعرافين والسحرة ومفسري الرؤى، أجمعوا على أنّ صبيّا سيولد من بني إسرائيل، وهم أهل بيت المقدس الذي عاشوا بعد يوسف –عليه السلام- في مصر، أجمعوا على أنه سوف يُهلك فرعون ويرث ملكه، فلما استشار أتباعه عزم على قتل جميع غلمانهم الذكور، لكنهم أشاروا عليه بقتلهم عامًا وتركهم عامًا؛ لئلا يهلك نسلهم فلا يجدون من يخدمهم بعد ذلك، وفي غمرة حزن وشدّة بني إسرائيل وُلد موسى، في العام الذي يُقتل فيه الغلمان.
فلما ولد موسى وخافت عليه أمه من بطش فرعون، أوحى الرحيم لها بأن ترضعه وتضعه في تابوت لتلقيه في النيل، مع بشارة ردّه إليها ومنحه شرف الرسالة، فأيّ حزن حلّ بها؟ وكيف لها بعد أن وضعت طفلها أن تستجمع قوتها لتحكم الإغلاق عليه وتلقيه –لا تضعه فقط- بكامل إرادتها في يمّ عميق بعيد الساحل؟ أي يقين دفعها لتنفذ الأمر دون اعتراض؟ ثم أي رحمة تلك التي أمرتها بإرضاعه وإشباعه أولًا فيطمئن فؤادها قليلًا عليه؟ أرضعته، وأحكمت إغلاق التابوت وقذفته في اليمّ، فشاء الله أن يصل بنفسه إلى بيت فرعون، فلما وجدته زوجته وفرحت به، علموا أنه من بني إسرائيل وقد همّ الظالم بقتله، لولا أن أجرى الله بقلب امرأته رحمة ورأفة بهذا الرضيع، فأشارت عليه أن يتركه فإمّا أن يكون ابنًا لهم أو خادمًا فوافق.
واشتدّ الحزن بقلب أمه حتى كادت أن تفضح السر، فربط الرحيم مرةً أخرى على فؤادها فلم تحدث أحدًا من قومها، لكنها ولفرط ولهها على طفلها جعلت أخته تبحث عنه، فلما خرجت وبدأت تبحث عن أخيها ووصلت إلى قصر فرعون، رأت الرضيع الذي احتار فيه الطاغية وزوجته حين لم يقبل أن يرضع من أي امرأة تقدمت لذلك، فعرفت أخاها وعرضت عليهم أن تأخذه لأهل بيت أمين يرضعونه، فلما أيد فرعون ذلك، ذهبت به إلى أمه فأرضعته، وقرّت عينها به، وذهب عنها الحزن واستُبدل بفرح شفيف عميق، وكيف لا تقرّ ولا تهدأ ولا يطمئن فؤادها وهي التي ألقته يومًا في ذلك اليم وما علمت عنه شيئًا! فأبدلها الله سعادة وأنسًا وسكينة عوضًا عن الذي قاسته حين امتثلت لأمره، وكتب لها أن ترضعه وهو في قصر فرعون الظالم الذي كاد أن يبطش به، فعاينت طفولته ورافقته فلم تحزن، ولمّا كانت الثقة بأمر الله مذهب موسى وأمه، أنشأه عزيزًا مكرّمًا وآتاه من العلم والحُكم فوق ما تاق إليه جزاءً لإحسانه.
أمّ تلقي بفلذة كبدها، وبحر لا يغُرقه، وأخت تستدل على مكانه، ثم عودةٌ بحُكم ورسالة ورفعة تليق بعزيز مصر، ثم نخشى من تدبير الله؟
سورة مريم، بصوت القارئ: إدريس أبكر
http://server6.mp3quran.net/abkr/019.mp3
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36)} سورة آل عمران
هكذا ولدت مريم، من أم طاهرة عفيفة من آل عمران الطيبين المشهورين بصلاحهم، وهكذا نُذرت لخدمة بيت المقدس قبل أن توضع، فلما وضعت كرمها الله بإعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم، فلم يكن من حظها -ولا ابنها عيسى- ما يكون من حظ سائر البشر من أذى الشيطان عند الولادة، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها*). ثم يغدقها الكريم بصنوف النعم، فيكتب لها كفالة زكريا –عليه السلام-، الذي كان يدخل عليها وهي تتعبد في بيت المقدس، فيرى طعام الشتاء في الصيف وطعام الصيف في الشتاء رزقًا من الله.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)} سورة مريم
وحين ابتعدت عن أهلها، هذه العابدة القانتة، اتخذت حجابًا عنهم؛ لتعبد الله وتنفرد وتعتزل بذلك، فتقنت في حالة من الإخلاص والخشوع والذل لربها الذي اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، وهنا بدأت المنحة في شكل محنة، فأرسل الله إليها جبريل متمثلًا لها بهيئة رجل كامل لا نقص فيه، حسن الخلقة، وهنا تخفيف عليها؛ لكيلا تراه في صورته الأصلية كملك، فلما رأته وهي منفردة منعزلة عن أحب الناس إليها –أهلها-، ووحيدة ليس معها من البشر أحد، خافت أن يكون رجلًا قد يتعرض لها بسوء، فما كان منها في غمرة خوفها إلا أن تعتصم بالله، وأن تستعيذ به من ذلك الرجل، “إن كنت تقيّا” ورغم ذلك فإنها خوفته بتقوى الله لترك التعرض لها بما يسوء، مع اجتماع عامل الوحدة والشباب فيها، والجمال وكمال الهيئة فيه، إلا أنها لم تقدم إلا على ما يرضي الإله الذي سواها. فجاءت بشارة الرحمة لتغشاها، وهدأ روعها جبريل بـ”أنا رسول ربك” فما ألطف مرسله، وما أكرمه، وما أحكمه! طمأنها جبريل بأنه آت لتنفيذ ما أمره ربه به، أن يهب لها غلامًا زكيًّا طاهرًا يرضاه ابنًا لها. فلما أنكرت البغي على نفسها، أي قيامها بالزنا –حاشاها-، أجابها بأن ذلك أمر من الله وهو هيّن عليه، فمهما اجتمعت الأسباب إلا أن من يقف وراءها عدل لطيف التقدير، يخلق ما يشاء ويدبر الأمر، فلا تتكل بذلك إلى فعل الأسباب واكتمالها فقط، فكان أمر الله قضاءً سابقًا –بولادة عيسى- ليكون رحمةً منه للناس وأمه، فنفخ فيها جبريل امتثالًا لأمر ربه.
{فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)} سورة مريم
هنا اشتدت المحنة على مريم، فلما حملت بعيسى انتبذت عن قومها؛ خشية الفضيحة، فلما اجتمعت عليها الأوجاع، وجع الولادة، ووجع الامتناع عن الطعام، ووجع قلبها مما قاله الناس عنها، خافت أن لا تصبر، فتمنت من هول ما قاست أنها ماتت قبل هذه الحادثة فلا تُذكر، فمن سمعها؟ سمعها الرؤوف الذي قدّر بعلمه ولطفه، فطمأنها الملك بـ”ألا تحزني قد جعل ربك تحت سريّا”، أي يا مريم اطمئني ولا يتسلل الحزن إليك رغم صعوبة الموقف، فالله حاشاه أن يتركها، وقد جعل لها نهرًا تشرب منه تخفيفًا عنها، وأمرها بهز النخلة ليتساقط الرطب فتهنأ بهذا المأكل والمشرب، فتسلم من ألم الولادة. ولو تأملنا في ذلك، لوجدنا أن أنه يستحيل على امرأة تمر بحالة ولادة أن تهز نخلة لا يستطيع عليها رجل قويّ جسيم في أحسن حالاته! فكيف لامرأة تلد وتتألم أن تفعل ذلك؟ غير أن الله رحمها وجعل لها أسبابًا تتخذها لتقرّ عينها –بعيسى- ولا تحزن، فيكون بذلك قد خفف عنها وجع الولادة، ووجع الجوع والعطش، ليتبقى كلام قومها، ولم يتركها الكريم عند هذا الحد، بل أمرها أن تسكت إذا خاطبها أحدهم وتشير إلى أنها نذرت للرحمن صومها عن الكلام؛ لتستريح من قولهم وكلامهم، فهي لن تستطيع أن تبرئ نفسها، وكانت الحكمة أن يجعل الله الآية في ابنها الرضيع ليبرئها أمامهم فتُصدّق.
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)} سورة مريم
وبعد أن انتهت من النفاس وتعبه، وخرجت من محنة الولادة، وقرت عينها بعيسى –عليه السلام- أتت قومها تحمله واثقة من براءة نفسها وطهارتها، فهاجمها القوم بأنها فعلت أمرًا عظيمًا وخيمًا أرادوا به البغي حاشاها أن تكون كذلك، واشتدّ الخطب، فنهرها الناس عن فعلها الذي طنوا به ظنّ السوء، وذكروها بنسبها الصالح من أب وأم وأخ، فأشارت إلى رضيعها بأمر من الله؛ بغية تبرئتها، فتعجب القوم منها، أي كيف لرضيع في مهده أن يحدثهم بعد أن صامت هي عن ذلك؟ فلما أشارت إليه أنطقه الله فقال: “إني عبد الله” فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلها أو ابنا للإله، وأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه. وجعله مباركًا في كل زمان ومكان، وذكر لهم واجباته التي أوصاه الله بها وأعظمها الصلاة والزكاة، وبر والدته التي قاست من أجله؛ وذلك لشرفها وفضلها ولكون حق الولادة لها، ثم بيّن أنه لم يُخلق متكبرًا لا على الذي خلقه ولا على عباده في الدنيا والآخرة، بل جعله مطيعًا له خاضعًا خاشعًا متذللًا، متواضعًا لعباد الله، سعيدًا في الدنيا والآخرة، هو ومن اتبعه، “فلما تم له الكمال ومحامد الخصال قال: “والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا” أي: من فضل ربي وكرمه، حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم بعثي من الشر، والشيطان والعقوبة ، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام. فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله وعبد الله حقا.”* وذلك أمر عيسى ابن مريم الذي تجادلوا فيه، إنما هو قول حقّ من الله الذي لا أصدق منه قيلًا، ولا أحسن منه حديثًا.
كيف صبرت مريم؟ وكيف ثبتت؟ وكيف احتملت ألم البعد والولادة والقذف؟ كلها دروس لو تأملناها لوجدنا أن من يصدق اللهَ يصدقه، ومن يتوكل عليه يكفيه، وليس لنا من أمر الله مخرج سوى الالتجاء إليه والاستعانة به، فهل بعد هذا نعجز أو نتذمر؟
*تفسير سورة آل عمران، للشيخ: محمد إسماعيل المقدم http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=168061.
**تفسير السعدي http://quran-for-all.com/t-19-5-33.html.
في آي القرآن قصص مررنا عليها كثيرًا دون شعور، دمع أو سيل ذكرى، لكن في أعماقها ولطيف ألفاظها ما يُبرئ، إنها قصص لو سمعناها بلقوبنا لشعرنا أننا الأبطال، وما أكبره من شرف.
في كل أسبوع لنا وقفة مع قصة قرآنية، نستمع إليها بصوت شجيّ، ونرويها بحب؛ لتعيش فينا.
تابعونا:
تمبلر
فيس بوك
التصميم لـ: مريم عادل الدوسري